السيد كمال الحيدري

365

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة

النزعات ، فكان يمارس عمله الاكتشافي للكون دائماً مبتدئاً بالحسّ والتجربة ومتجاوزاً بعد ذلك الحدود الضيّقة التي فرضتها تلك النزعات الفلسفية والمنطقية ، ليبذل جهداً عقلياً في تنسيق الظواهر ووضعها في أطر قانونية عامّة والتعرّف على ما بينها من روابط وعلاقات . وقد تضاءل النفوذ الفلسفي والمنطقي لهذه النزعات المتطرّفة على صعيد المذاهب الفلسفية المادّية . فالفلسفة المادّية التي يمثّلها بصورة رئيسية المادّيون الجدليون ترفض تلك النزعات بكلّ وضوح وتعطي لنفسها الحقّ في أن تتجاوز نطاق الحسّ والتجربة التي يبدأ العالم بها بحثه ، وتتجاوز أيضاً المرحلة الثانية التي يختم بها العالم بحثه ، وذلك لكي تقارن بين معطيات العلم المختلفة وتضع لها تفسيراً نظرياً عامّاً ، وتعيّن أوجه العلاقات والروابط التي يمكن افتراضها بين تلك المعطيات . وبهذا فإن المادّية الجدلية التي هي الوريث الحديث للفكر المادّي على مرّ التاريخ أصبحت بنفسها غيبية من وجهة نظر تلك النزعات الحسّية المتطرّفة حين خرجت بتفسير شامل للكون ضمن إطار ديالكتيكي . وهذا يعني أن المادّية والإلهية معاً قد اتّفقتا على تجاوز النطاق الحسّي الذي دعت تلك النزعات المادّية المتطرّفة إلى التقيّد به ، وأصبح من المعقول أن تتّخذ المعرفة مرحلتين : * مرحلة لتجميع معطيات الحسّ والتجربة . * ومرحلة لتفسيرها نظرياً وعقلياً . وإنما الخلاف بين المادّية والإلهية على نوع التفسير الذي تستنتجه